الشريف المرتضى

385

الذخيرة في علم الكلام

ربيعة ، وكعب بن زهير . ويقال : إن الأعشى الكبير توجّه ليدخل في الاسلام فغاظه أبو جهل بن هشام وقال : إنه يحرّم عليك الأطيبين الخمر والزنا ، وصدّه عن التوجه ؟ وكيف يجيب هؤلاء الفصحاء الّا بعد أن بهرتهم فصاحة القرآن وأعجزتهم ؟ قلنا : ما شهد الفصحاء من فصاحة القرآن وعظم بلاغته إلا بصحيح ، وما انكر أصحاب الصرفة علوّ مرتبة القرآن في الفصاحة ، قالوا : ليس بين فصاحة - وان علت على كل كلام فصيح - قدر ما بين المعجز والممكن ، والخارق للعادة والمعتاد ، فليس في طرب الفصحاء بفصاحته وشهادتهم ببراعته ردّ على أصحاب الصرفة . وأمّا دخول فصحاء الشعراء في الدعوة فإنما يجب أن يكون ذلك الامر قهرهم وبهرهم ، وأيّ شيء أبلغ في هذا الباب من تعذر المعارضة عليهم إذا راموها مع تسهّل الكلام الفصيح عليهم إذا لم يعارضوا . فان قيل : كيف لم يصرف مسيلمة عما أتى به من المعارضة ؟ قلنا : لا شيء أبلغ في دلالة القرآن على النبوة من تمكين مسيلمة من معارضته السخيفة ، لأنه لو لم يكن غيره من الفصحاء الذين يقارب كلامهم ويشكل حالهم مصروفا لعارض كما عارض مسيلمة ، فتمكين مسيلمة من معارضته دليل واضح على ما نقوله في الصرفة . وقد بيّنا في كتابنا في جهة اعجاز القرآن أن من لم يقل في جهته ما اخترناه من الصرفة يلزمه سؤالان لا جواب عنهما إلا لمن ذهب إلى الصرفة : ( السؤال الأول ) أن يقال : ما أنكرتم أن يكون القرآن من فعل بعض الجنّ ألقاه إلى مدّعي النبوة ، وخرق به عادتنا ، وقصد بنا إلى الاضلال لنا والتلبيس علينا . وليس يمكن أن يدّعى الإحاطة بمبلغ فصاحة الجن وأنها لا يجوز أن يتجاوز عن فصاحة العرب . ومع هذا التجويز لا يحصل الثقة بأن اللّه تعالى هو المؤيد بالقرآن لرسوله صلّى اللّه عليه وآله .